محمد الشريفين وابنته الراحلة "أنيسة"

"أنا بالطريق اطمنوا ".. والد مكلوم يروي اللحظات الأخيرة قبل رحيل ابنته الوحيدة
ملاحظة: النص المسموع ناتج عن نظام آلي
لمزيد من تفاصيل عزاء اضغط هنا، ولمتابعة تطبيق وفيات رؤيا بالنقر على الرابط
كانت الساعة تقترب من التاسعة والنصف مساء عندما رن هاتف عائلة أنيسة، ولم يكن في بال أحد أن المكالمة التي بدت عادية ستصبح بعد دقائق آخر ما تبقى لهم من صوت ابنتهم الوحيدة.
عند الساعة 9:10 مساء الأربعاء، اتصلت أنيسة بأهلها، وطمأنتهم بأنها في طريقها إلى المنزل وأنها ستعود قريبا، تحدثت معهم لنحو دقيقتين، ثم أغلقت الهاتف، دون أن تعرف أن تلك الكلمات ستكون آخر ما يسمعونه منها.
اقرأ أيضا: تفاصيل مؤثرة تكشف لأول مرة عن حياة ضحايا "حادث القويرة"
وبعد خمس دقائق فقط، عند الساعة 9:15، يقول والدها الدكتور محمد عيسى الشريفين، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة آل البيت: "حسيت قلبي صار يخفق بشدة، وأمها كمان حست برعشة عجيبة جدا!". ثم جاء الاتصال الذي قلب كل شيء: "بنتكم أنيسة اندعست!".
لم تصل أنيسة إلى منزلها، الشاب الذي صدمها، بحسب رواية والدها المتحسر على وحيدته ، كان يقود بسرعة ووجه إليها ضربة مباشرة، واصفا إياه بأنه "طايش، وغير مسؤول". وفي لحظات تحولت الطريق التي كانت أنيسة تعبرها وهي في طريق عودتها إلى منزلها إلى بداية مأساة انتهت بفقدانها.
ضربات خطيرة
وصل والدها إلى المستشفى، وهناك وجد ابنته الوحيدة ممددة أمامه بإصابات بالغة. كانت تعاني كسورا شديدة في الحوض والعمود الفقري، وتهتكا شديدا في الرئتين، إضافة إلى تورم شديد في الرأس ونزيف. كان ذلك المشهد أقسى ما يمكن أن يراه أب، بعدما كان قبل دقائق ينتظر عودة ابنته إلى البيت.
وأمام هول المشهد، لم يجد الأب سوى أن يذهب إلى المسجد. قال لهم: "بس بدي أروح على المسجد، وأصلي ركعتين!". ذهب، وصلى، وسلم أمره إلى الله، مرددا: "يا عليم، يا حكيم، يا خبير، اقض!". وبعدها، عادت الحقيقة الأشد قسوة؛ أنيسة انتقلت إلى رحمة الله، وأن الأب الذي دخل المستشفى على أمل إنقاذ ابنته الوحيدة خرج يحمل وجع فقدها.
أنيسة.. قصة من الأحلام
أنيسة لم تكن بالنسبة لعائلتها مجرد ابنة؛ كانت قصة كاملة من الأحلام التي لم تكتمل. كانت تحب مجال الرسوم المتحركة "الأنيميشن"، وكان والدها يتابع شغفها ويقف إلى جانبها، مؤمنا بحلمها وراغبا في أن يمنحها الفرصة لتحقيقه. أخذها إلى تركيا لتدرس المجال الذي تحبه، لكنها قررت العودة إلى الأردن، وبدأت دراستها في الجامعة الأردنية عام 2023. كانت أمامها سنوات من الدراسة وأحلام كثيرة تنتظرها، فيما كانت عائلتها تنتظر اليوم الذي تفرح فيه بتخرج ابنتها الوحيدة.
مستقبل انقطع في لحظة واحدة
وعندما حاول والدها أن يروي قصتها عبر قناة العربية الأردن، قال: "من أعقد الأشياء أن أختزل ابنتي في دقائق!". كيف يمكن لأب أن يختصر عمر ابنته في دقائق؟ كيف يروي شغفها بالأنيميشن، وحلمها، ودراستها، ومساندته لها، ثم يصل إلى آخر مكالمة هاتفية قالت فيها إنها عائدة إلى البيت؟ وكيف يمكن اختصار سنوات كاملة من الذكريات في قصة قصيرة، بينما صاحبها لم يعد موجودا ليرويها؟
يقول والد أنيسة إن الحادث كان أليما جدا، داعيا الله ألا يصيب أحدا بمثل هذا المصاب. لكن وسط هذا الوجع، حمل الأب رسالة أخرى أراد أن تصل إلى الجميع، مؤكدا إيمانه بعدل الله، وأن الإنسان مسؤول بشكل مباشر عن أفعاله ونتائجها.
وقال: "للأسف عنا فهم خاطئ للقضاء والقدر، وهذا من أهم أسباب زيادة الحوادث!". فالإيمان بالقضاء والقدر، بحسب الرسالة التي أراد إيصالها، لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤولية أفعاله، ولا يمكن أن يتحول إلى مبرر للاستهتار بأرواح الآخرين بعد وقوع الحوادث.
رسالة من أب مكلوم
ومن هنا خرجت رسالة الأب إلى كل من يرى في "السرعة شطارة"، وكل من يتعامل مع الشارع وكأنه مساحة لاختبار قوة السيارة وقدرتها على التسارع. فخلف كل سيارة إنسان، وخلف كل إنسان عائلة تنتظره، وبيت يتمنى عودته، وأحلام يريد أن يكملها.
ويشير والد أنيسة، خصوصا مع السيارات الكهربائية، إلى أن هدوء صوتها عند السرعات المنخفضة وقوة تسارعها يستوجبان مزيدا من الانتباه والحذر، لأن كل دعسة على الطريق قد تحمل عواقب لا يمكن التراجع عنها. فأنيسة كانت إنسانة لها أهل وأحلام ودراسة وهواية ومستقبل، وكانت في طريقها إلى بيتها، وهناك من كان ينتظرها حتى تعود.
كان أهل أنيسة ينتظرون يوم تخرجها بفرحة، لكنهم اليوم يطلبون من الناس الدعاء لها بالرحمة. وبينما غابت أنيسة عن البيت الذي كانت في طريقها إليه، بقيت ذكراها حاضرة في تفاصيل عائلتها وأصدقائها، وبقي السؤال الأصعب: بأي حق يمكن لاستهتار لحظة واحدة أن يحرم أبا وأما من ابنتهما الوحيدة؟
وفي محاولة لتحويل الألم إلى أثر يبقى، أنشأ أهل أنيسة ومحبوها حسابا باسم "قرآن"، ينشرون من خلاله الأدعية والآيات القرآنية، بنية أن تكون صدقة جارية عن روحها، ورجاء أن يستمر أجر الخير ويصل إليها. هكذا بقيت أنيسة في قلوب من أحبوها، وبقي صوتها الأخير في ذاكرة أهلها: "أنا بالطريق وراجعة عالبيت".. جملة قالتها مطمئنة، لكنها لم تصل بعدها إلى البيت.
