منصة شبابية، شاملة ومتنوعة تنشر المعرفة والترفيه في الأردن والوطن العربي

طفل نازح يمر بجانب ركام المباني والمنازل التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيبي

هنا غزة.. نزوح فوق خريطة الوجع ورحلة الحنين في شوارع الرماد

هنا غزة.. نزوح فوق خريطة الوجع ورحلة الحنين في شوارع الرماد

استمع للخبر:
0:00

ملاحظة: النص المسموع ناتج عن نظام آلي

نشر :  
منذ أسبوع|
اخر تحديث :  
منذ أسبوع|
|
اسم المحرر :  
Jolanar Ramini

لا تتشابه الطرقات في غزة مع أي طرقات أخرى في هذا العالم؛ إنها ليست مجرد مسارات تقطع بالأقدام، بل هي أحشاء مدينة تتنفس وجعا، وشرايين ينساب فيها الحزن والألم رفيقا ثقيلا لا يفارق العابرين.


اقرأ أيضا: غزة.. كل حجر يحمل حكاية وكل ركام يخفي وجعا


على جانبي الطريق الممتد بين الركام، تتزاحم خطوات الناس وهم يحملون ما تبقى من حطام حياتهم؛ أكياس قماشية باهتة، أغطية استهلكها الغبار، وأطفال حفاة يجرون أقدامهم الصغيرة كأنهم يحملون أعمارا أثقل من أجسادهم. كل خطوة على هذا الطريق هي حكاية نزوح جديدة، وكل زاوية فيه تقف شاهدة على بيت كان يوما يفيض بالحياة والضحكات، واليوم لم يتبق منه سوى جدار مائل وشظايا ذكريات.

تتزاحم الحسرات في صدور العابرين كزحام الأقدام على الأرض. يلتفت أحدهم إلى اليسار، فيرى بقايا العتبة التي كان يجلس عليها مع والده كل مساء، حيث ركوة القهوة وطيب الأحاديث؛ واليوم لا القهوة بقيت ولا الوالد عاد. وتنظر أم بعينين غائمتين نحو كومة من الحجارة كانت يوما غرفة طفلها الرضيع، فتتذكر كيف كانت تطرز أحلامها فوق سريره الصغير، وكيف انحسرت كل تلك الأحلام في أمنية واحدة: أن تجد قطعة من ثوبه المفضل بين الركام لتستنشق فيها رائحته.

ذكريات وحسرات

في هذا الطريق، لا تبكي العيون وحدها، بل تبكي الذكريات؛ يمر الشاب بالحي القديم فيتذكر أصدقاء الصبا، وضحكاتهم التي كانت تملأ الزقاق بعد كل مباراة كرة قدم. يسأل نفسه بحسرة: "أين ذهبوا جميعا؟ كيف أصبحت تلك الأرواح الضاحكة مجرد أسماء على أضرحة موقتة، أو صور في ذاكرة ينهكها الحزن؟". تتداخل في أذهانهم صور الماضي الجميل—ليالي الصيف، صوت البحر، ودفء العائلة—مع واقع قاس تحكمه رشة غبار، وصوت طائرات لا يهدأ، وبرودة نزوح لا تنتهي.

إنها طريق لا تنتهي بمجرد الوصول؛ فالوصول إلى خيمة أو ملجأ جديد لا يعني نهاية الألم، بل هو بداية فصل آخر من الحنين. ورغم أن الحزن والألم يزحمان هذا الطريق، ورغم أن الحسرات تجرح القلوب مع كل ذكرى تمر، تبقى هذه الأرواح المجهدة تمشي.. تمشي لا لأن الطريق سهل، بل لأن في أعماقهم جذورا صلبة ترفض أن تموت، وذاكرة حية تعاند محاولات المحو والنسيان.