طفلة تبكي عقب غارة إسرائيلية في حي الرمال

أطفال غزة.. من ألعاب البراءة إلى مشاهد الجنازات والصور القاسية
ملاحظة: النص المسموع ناتج عن نظام آلي
في غزة، لا تشبه دموع الأطفال دموع سائر أطفال العالم، فهي تحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه، وتختزن في انهمارها حكايات خوف وفقدان وألم أكبر من أعمارهم الصغيرة. يبكون على وقع غارات لا تمنحهم فرصة لالتقاط أنفاسهم، وعلى مشاهد قاسية تتكرر أمام أعينهم، فيما تتعاظم أوجاعهم يوما بعد يوم، ويكبر الحزن في قلوبهم قبل أن يكبروا هم. هناك، لم تعد الدموع مجرد تعبير عن الخوف، بل أصبحت شاهدا على انهيار عالمهم الصغير، وعلى جراح نفسية قد لا يعرف أحد حجمها أو يدرك عمقها.
أطفال غزة الذين كان يفترض أن تشغلهم الألعاب والرسوم المتحركة وحكايات الطفولة، باتت أعينهم تلاحق مشاهد الدمار والدماء والجنازات، وتراقب وجوه المكلومين وهم يبحثون عن أحبة غابوا فجأة. وبدلا من انتظار موعد برنامجهم الكرتوني المفضل، يجدون أنفسهم أمام مشاهد لا ينبغي لطفل أن يراها، يسمعون أصوات الانفجارات بدلا من ضحكات اللعب، ويتابعون أخبار الفقدان بدلا من قصص الأبطال الخيالية. لقد تبدلت تفاصيل طفولتهم، وأصبح ما يرونه أكبر من قدرتهم على الفهم والاحتمال.
وفي كل جنازة، ثمة حكاية طفل فقد حضنا اعتاد أن يلوذ به، أو يدا كانت تمسح دموعه وتطمئنه بأن كل شيء سيكون بخير. ثمة أطفال يبحثون بين الوجوه عن آباء وأمهات وأشقاء، وآخرون يحملون في ذاكرتهم أصواتا وملامح وأماكن كانت تمنحهم الشعور بالأمان، لكنها تحولت إلى ذكريات موجعة. إن فقدان الأحبة لا يترك فراغا في البيوت وحدها، بل يترك في نفوس الصغار أسئلة ثقيلة، وخوفا يتسلل إلى تفاصيل حياتهم، وجرحا لا يعرفون كيف يشرحونه أو متى يلتئم.
اقرأ أيضا: حكاية إصرار من قلب غزة.. لا يملكون الكهرباء لكنهم يصنعون الضوء
أما الانهيار النفسي الذي يعيشه هؤلاء الأطفال، فلا يظهر دائما في البكاء والصراخ؛ فقد تختبئ خلف الصمت عواصف من الخوف، وخلف النظرات الشاردة ذكريات لا تفارقهم، وخلف الوجوه الصغيرة المتعبة مشاعر تفوق قدرتهم على التعبير. لقد اعتاد بعضهم مشاهد كان ينبغي أن تبقى بعيدة عن عالم الطفولة، حتى باتت القسوة جزءا من يومياتهم، لا لأنهم اعتادوا الألم أو لم يعودوا يشعرون به، بل لأنهم اضطروا إلى مواجهة ما لا يحتمله الكبار، في وقت كان يفترض أن يكون أكثر ما يشغلهم هو اللعب والتعلم والحلم.
وتبقى دموع أطفال غزة رسالة مفتوحة إلى العالم، رسالة تخبئ خلف كل قطرة منها ما لا نعرفه، وما قد لا يستطيعون روايته مهما حاولوا الكلام. إنها صرخة صامتة تختصر خوفهم واشتياقهم وحقهم المسلوب في طفولة آمنة، وتذكر بأن خلف كل صورة لطفل يبكي إنسانا صغيرا يحتاج إلى حضن وأمان وطمأنينة، لا إلى مزيد من مشاهد الموت والفقدان. قد لا نعرف كل ما مروا به، ولا حجم ما تحملته قلوبهم، لكن دموعهم تقول إن طفولتهم تستحق أن تنقذ، وإن من حقهم أن يشاهدوا الرسوم المتحركة ويحلموا بالغد، لا أن يكبروا على وقع المآسي والجنازات.
